أحمد بن سهل البلخي
431
مصالح الأبدان والأنفس
التدبير ؛ لأنّ من فعل الشراب الزيادة في سخونة البدن ، وتهييج قوى النفس ، فإذا صادف الغمّ والحزن مادّة من الشراب كان محلّه منهما محلّ الحطب من النار في / إيقاده إيّاها ، والزيادة في لهبها ، وهذا أمر مشاهد بالاعتبار ؛ يعني ما يفعله الشراب في الحزين والمغتمّ إذا خالطه ، وتمكّن منه قليلا ، فإنّه ربّما أبكاه ، وحمله على أن يحدث على بدنه من الجزع والقلق أحداثا منكرة ، كنتف الشعر ، وتمزيق الثياب ! وإنّما وقع الغلط في هذا الباب من قبل أنّ الذين أشاروا بسقي الحزين والمغتمّ لم يقصدوا بذلك السقي الذي يتمكّن معه من الفكرة ، بل قصدوا به السقي الذي يؤدّيه إلى السكر ؛ حتى لا يعقل معه الأمر الذي يحزنه ويغمّه ، وهذا تدبير صواب ، إذا قصد به ذلك الباب ، وهو نحو ما كانوا يفعلونه من إسكار ما يقصد الإقدام عليه بمعالجة صعبة من قطع شيء من أعضائه أو شقّ أو بطّ « 1 » أو كيّ ، فإنهم ربّما كانوا يسقونه من الشراب ما يغلب على عقله ؛ لئلّا يعلم ما هو نازل فيه ، فيقلقه ويعدمه الصبر عليه ، فأمّا الشراب الذي دون / السكر ، المهيّج للفكر ، فهو من أعظم الآفات على الحزين والمغتمّ وأشباههم . وفي الجملة : إنّ الذي يشرب الشراب للّذّة والأنس ينبغي أن يكون صحيح البدن ، وادع النفس ، رخيّ البال ، مزاح الأشغال ، غير منوب لما يتقسّم قلبه ، ويشغل ضميره ؛ ليتهيّأ له بذلك استخلاص اللذّة ، واستتمام السرور . فأمّا كيفيّة الشرب الذي يقصد فيه للّذّة والسرور ، فهي بحسب ما يدلّ عليه العقل والتدبير الفاضل أن يبدأ الشارب في وقت ابتدائه الشرب بأخذ شربات وافرة منه ، ليسخّن بدنه حتى تدرّ عروقه ، وتتحرّك منه قوى بدنه ، ويجد أثر الأريحيّة التي تستعقب من الشراب في نفسه ، ثمّ يقلّل بعد من
--> ( 1 ) بطّ الجرح والصرّة : شقّه ( القاموس المحيط ب ط ط 1 / 891 ) .